الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

63

مختصر الامثل

النَّارِ يُسْجَرُونَ » « 1 » . ومرّة أخرى بعد هذا التنبيه والتحذير الشديد الموقظ ، الذي هو لطف من اللَّه يقول الباريء عزّ وجل : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 47 ) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( 48 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 49 ) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ( 50 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 51 ) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ( 52 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 53 ) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ( 54 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 55 ) الجنّتان اللتان اعدّتا للخائفين : يترك القرآن الكريم وصفه لأهل النار وحالاتهم البائسة لينقلنا إلى صفحة جديدة من صفحات يوم القيامة ، ويحدثنا فيها عن الجنة وأهلها ، وما أعدّ لهم من النعم فيها ، والتي يصوّرها سبحانه بشكل مشوّق ومثير ينفذ إلى أعماق القلوب في عملية مقارنة لما عليه العاصون من عذاب شديد يحيط بهم والتي تحدثت عنها الآيات السابقة ، وما ينتظر المؤمنين من جنّات وعيون وقصور وحور في الآيات أعلاه ، يقول سبحانه : « وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ » . وللخوف من اللَّه أسباب مختلفة ، فأحياناً يكون بسبب قبح الأعمال وانحراف الأفكار ، وأخرى بسبب القرب من الذات الإلهية حيث الشعور بالخوف والقلق من الغفلة والتقصير في مجال طاعة اللَّه ، وأحياناً أخرى لمجرد تصورهم لعظمة اللَّه اللامتناهية وذاته اللا محدودة فينتابهم الشعور بالخوف والضعة أمام قدسيته العظيمة . . . وهذا النوع من الخوف يحصل من غاية المعرفة للَّه‌سبحانه ، ويكون خاصاً بالعارفين والمخلصين لحضرته . ومرّة أخرى ، وبعد ذكر هذه النعم العظيمة يخاطب الجميع بقوله : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . ثم يضيف سبحانه في وصفه لهاتين الجنتين بقوله : « ذَوَاتَا أَفْنَانٍ » . وبعد ذكر هذه النعم يكرّر سبحانه السؤال مرّة أخرى فيقول : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . ولأنّ البساتين النضرة والأشجار الزاهية ينبغي أن تكون لها عيون ، أضاف سبحانه في وصفه لهذه الجنة بقوله : « فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ » . ثم يطرح مقابل هذه النعمة الإضافية قوله : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » .

--> ( 1 ) سورة غافر / 71 و 72 .